فخر الدين الرازي
57
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المراد حصول التماثل في كونها مستحقة بحسب العوامل المختلفة فالعقل يشهد أنه ليس كذلك . المسألة الخامسة عشرة : من أراد أن يتلفظ بالضمة فإنه لا بد له من ضم شفتيه أولا ثم رفعهما ثانيا ، ومن أراد التلفظ بالفتحة فإنه لا بد له من فتح الفم بحيث تنتصب الشفة العليا عند ذلك الفتح ، ومن أراد التلفظ بالكسرة فإنه لا بد له من فتح الفم فتحا قويا والفتح القوي لا يحصل إلا بانجرار اللحى الأسفل وانخفاضه ، فلا جرم يسمى ذلك جرا وخفضا وكسرا لأن انجرار القوي يوجب الكسر ، وأما الجزم فهو القطع . وأما أنه لم سمي وقفا وسكونا فعلته ظاهرة . المسألة السادسة عشرة : منهم من زعم أن الفتح والضم والكسر والوقف أسماء للأحوال البنائية ، كما أن الأربعة الثانية أسماء للأحوال الإعرابية ، ومنهم من جعل الأربعة الأول : أسماء تلك الأحوال سواء كانت بنائية أو إعرابية ، وجعل الأربعة الثانية أسماء للأحوال الإعرابية ، فتكون الأربعة الأولى بالنسبة إلى الأربعة الثانية كالجنس بالنسبة إلى النوع . المسألة السابعة عشر : أن سيبويه يسميها بالمجاري ، ويقول : هي ثمانية وفيه سؤالان : الأول : لم سمى الحركات بالمجاري فإن الحركة نفسها الجري ، والمجرى موضع الجري ، فالحركة لا تكون مجرى ؟ وجوابه أنا بينا أن الذي يسمى هاهنا بالحركة فهو في نفسه ليس بحركة إنما هو صوت يتلفظ به بعد التلفظ بالحرف الأول ، فالمتكلم لما انتقل من الحرف الصامت إلى هذا الحرف فهذا الحرف المصوت إنما حدث لجريان نفسه وامتداده ، فلهذا السبب صحت تسميته بالمجرى . السؤال الثاني : قال المازني : غلط سيبويه في تسميته الحركات البنائية بالمجاري لأن الجري إنما يكون لما يوجد تارة ويعدم تارة . والمبني لا يزول عن حاله ، فلم يجز تسميته بالمجاري ، بل كان الواجب أن يقال : المجاري أربعة وهي الأحوال الإعرابية . والجواب أن المبنيات قد تحرك عند الدرج ، ولا تحرك عند الوقف ، فلم تكن تلك الأحوال لازمة لها مطلقا . المسألة الثامنة عشرة : الإعراب اختلاف آخر الكلمة باختلاف العوامل : بحركة أو حرف تحقيقا أو تقديرا ، أما الاختلاف فهو عبارة عن موصوفية آخر تلك الكلمة بحركة أو سكون بعد أن كان موصوفا بغيرها ، ولا شك أن تلك الموصوفية حالة معقولة لا محسوسة فلهذا المعنى قال عبد القاهر النحوي : الإعراب حالة معقولة لا محسوسة ، وأما قوله : « باختلاف العوامل » فاعلم أن اللفظ الذي تلزمه حالة واحدة أبدا هو المبني ، وأما الذي يختلف آخره فقسمان : أحدهما : أن لا يكون معناه قابلا للأحوال المختلفة كقولك : « أخذت المال من زيد » فتكون « من » ساكنة ، ثم تقول : « أخذت المال من الرجل » فتفتح النون ، ثم تقول « أخذت المال من ابنك » فتكون مكسورة فههنا اختلف آخر هذه الكلمة إلا أنه ليس بإعراب ، لأن المفهوم من كلمة « من » لا يقبل الأحوال المختلفة في المعنى ، وأما القسم الثاني : وهو الذي يختلف آخر الكلمة عند اختلاف أحوال معناها - فذلك هو الإعراب . المسألة التاسعة عشرة : أقسام الإعراب ثلاثة : الأول : الإعراب بالحركة ، وهي في أمور ثلاثة : أحدها : الاسم الذي لا يكون آخره حرفا من حروف العلة ، سواء كان أوله أو وسطه معتلا أو لم يكن ، نحو رجل ، ووعد ، وثوب ، وثانيها : أن يكون آخر الكلمة واوا أو ياءً ويكون ما قبله ساكنا ، فهذا كالصحيح في تعاقب الحركات عليه ، تقول : هذا ظبي وغزو ومن هذا الباب المدغم فيهما كقولك : كرسي وعدو لأن المدغم يكون